مصطفى لبيب عبد الغني
211
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
في العجب « * » أقول : إنه من أجل محبة كل إنسان لنفسه يكون استحسانه للحسن منها فوق حقه واستقباحه للقبيح منها دون حقّه ، ويكون استقباحه للقبيح واستحسانه للحسن من غيره - إذ كان بريّا من حبّه وبغضه - بمقدار حقّه لأن عقله حينئذ صاف لا يشوبه ولا يجاذبه الهوى . ومن أجل ما ذكرنا فإنه إذا كانت للإنسان أدنى فضيلة عظمت عند نفسه وأحب أن يمدح عليها فوق استحقاقه . وإذا تأكدت فيه هذه الحالة صار عجبا ، ولا سيما إن وجد قوما يساعدونه على ذلك ويبلغون من تزكيته ومدحه ما يحب . ومن بلايا العجب أنه يؤدى إلى النقص في الأمر الذي يقع به العجب ، لأن المعجب لا يروم التزيد ولا الاقتناء والاقتباس من غيره في الباب الذي منه يعجب بنفسه . لأنّ المعجب بفرسه لا يروم أن يستبدل به ما هو أفره منه لأنه لا يرى أن فرسا أفره منه ، والمعجب بعمله لا يتزيد منه لأنه لا يرى أن فيه مزيدا . ومن لم يستزد من شئ ما نقص لا محالة وتخلف عن رتبة نظراته وأمثاله - لأن هؤلاء إذا كانوا غير معجبين - لم يزالوا مستزيدين ولم يزالوا لذلك متزيّدين مترقّين ، فلا يلبثوا أن يجاوزوا المعجب ولا يلبث المعجب أن يتخلف عنهم . ومما يدفع به العجب أن يكل الرجل اعتبار مساويه ومحاسنه إلى غيره على ما ذكرنا قبل حيث ذكرنا تعرّف الرجل عيوب نفسه ، وأن لا يعتبر ولا يقيس نفسه بقوم أخساء أدنياء ليس لهم حظّ وافر من الشئ الذي أعجب به من نفسه . أو يكون في بلد هذه حالة أهله . فإنه من احترس من هذين البابين لم يزل يرد عليه كلّ يوم ما يكون به إلى تنقّص نفسه أميل منه إلى العجب بها . وفي الجملة فإنه ينبغي أن لا تكبر وتعظم نفسه عنده حتى يجاوز مقدار نظرائه عند غيره ، ولا تصغر ولا تقل حتى ينحط عنهم أو عمن هو دونه ودونهم عند غيره . فإنه إذا فعل ذلك وقوّم نفسه عليه كان بريّا من زهو العجب وخسّه الدناءة ، وسماه الناس العارف بقدر نفسه . ( ص 46 - 47 ) .
--> ( * ) ( نقلا عن : كتاب " الطب الروحاني " لأبى بكر الرازي ) .